المجموعة: مقالات قانونية

وإن تعجب فعجبًا ما تفعله لجنة الخمسين لتعديل الدستور من إجراء عقد نكاح باطل فيما بين سلطات الدولة الثلاثة التشريعية، والتنفيذية، والقضائية.

     «و إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون و لكن لا يشعرون»،فكما حرم الله تعالى الجمع بين الأختين إلا ما قد سلف، فإنه - سبحانه و تعالى - نهى عن جمع العمل لدى أكثر من رب عمل في وقت واحد بقوله سبحانه وتعالى: «ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون و رجلاً سلمًا لرجل هل يستويان مثلاً الحمد لله بل أكثرهملا يعلمون» (سورة الروم الآيه 29).

     و قضى سبحانه و تعالى باستحالة تعدد الولاء و الإنتماء بقوله عز و جل: «ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه» (سورة الأحزاب الآيه 4)، فكيف يجمع القاضي بين عمله الأصلى بالجهة القضائية و عمله بالجهات الإدارية انتدابًا،لأيهما يكون الولاء، و الإنتماء، و الإخلاص، و الإتقان في العمل.

     فإن المبادئ الدستورية العليا نهت عن الجمع بين سلطات الدولة الثلاثة، طبقًا لمبدأ الفصل بين السُلطات، الذي يعنى عدم انحصار وظائف الدولة الثلاثة التشريعية، و التنفيذية، و القضائية في يد واحده، حمايًة للمحكومين من استبداد الحُكام، و صيانًة للحقوق و الحريات، و تحقيقًا لشرعية الدولة. فمبدأ الفصل بين السُلطات يعد وسيلة فعالة لكفالة احترام القوانين، و حُسن تطبيقها، و اختصاص كل سُلطة بالمهام الموكولة إليها.

     واستنادًا لمبدأ استقلال القضاء، الذي يُوجب أن يكون القضاء محايدًا متجردًا من شوائب الهوى و الغرض، لا يرجو نعمة ولا يخشى نقمة، متمتعًا بحرية الحُكم دون خوف، أو ترهيب، و دون إغراء، أو ترغيب .

     ونفاذًا لحكم المادة (13) من قانون المحكمة الدستورية العليا، التي تقضى بعدم جواز انتداب أو إعاره أعضاء المحكمة الدستورية للعمل بالجهات الإدارية بالدولة؛ و نفاذاً لحُكم المحكمة الدستورية العليا في التفسير التشريعي رقم (3) لسنة (8) قضائية دستورية بجلسة (3/3/1990)، و حكم المحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة في الطعن رقم(1) لسنه(53) قضائية عليا بجلسة  (22/9/2012 ) و المُلزم للكافة، القاضي، بالمساواة الكاملة بين أعضاء الهيئات القضائية جميعها: المحكمة الدستورية العليا، و القضاء، والنيابة العامة، و مجلس الدولة، و النيابة الإدارية، و قضايا الدولة .و نفاذاً لحكم القانون رقم( 125/1961) الذي حظر الجمع بين وظيفتين في وقتًا واحدًا.    

     لا يجوز قانونًا انتداب أعضاء الجهات والهيئات القضائية للعمل بالجهات الإدارية؛ و من ثم فإن ما قررته لجنه الخمسين لتعديل الدستور من إدراج عبارة استثنائية شيطانية تجيز ندبهم للعمل بالجهات و الأعمال التي يحددها القانون، و من خلال هذه العباره نفذت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى و التشريع بمجلس الدولة، و تحايلت على حظر الندب بدستور (2012) المنصوص عليه بالمادة (170)، بفتوى استمرار الندب طبقًا لأحكام قوانين الجهات و الهيئات القضائية، و قوانين الجهات الإداريه.

     و لما كان ذلك فإن قيام لجنة الخمسين بتضمين الفقرة الأخيرة من المادة (181) من مشروع تعديل الدستور عبارة « إلا للجهات و الأعمال التي يحددها القانون»،يجعل حظر الندب الوارد بالمادة المشار إليها حبر على ورق، و عديم القيمة القانونية، لا نفاذ له فعليًا.

     إذ أن ندب أعضاء الهيئات و الجهات القضائية لا يتم إلا وفقًا لأحكام القانون، و للأعمال و الجهات التي يحددها القانون، فإذا كانت قوانين تلك الجهات و الهيئات القضائية تُجيز ندب أعضائها للعمل بالجهات الإدارية، في ظل ترسانة القوانين المعدة بمعرفه مجلس الدولة و التي سوف تُعد بمعرفته مستقبلاً، تنص صراحة على عضويتهم للجان الفصل في المنازعات الإدارية، و مجالس التأديب الخاصة، و لجان المناقصات و المزايدات، و لجان الخصخصة، و بيع و تسليم شركات قطاع الأعمال العام:فإن لجنه الخمسين بذلك تُضلل و تخدع الشعب المصري بالموافقة على النص المشار إليه، الذي يجيز زواج المحارم بين السلطه القضائية و السلطة التنفيذية، المعروف قانونًا بالندب للجهات و الأعمال التي يحددها القانون .

     كما أن لجنه الخمسين وافقت على نص انتقالى يجيز الندب لمدة خمس سنوات للجان الإدارية، و مجالس التأديب ذات الاختصاص القضائي. رُغم تعارض هذا النص الإنتقالى مع سلوك و تصرف اللجنة من حجب نص إنشاء جهة قضاء تأديبى مستقلة للفصل في الدعاوى التأديبية. و ها هي تقر نص يجيز استمرار وإنشاء مجالس التأديب الخاصة بالجهات الإدارية و يمنحها سلطه الفصل في الدعاوى التأديبية و المنازعات الإدارية.

     فلا مُرية أن الغاية والغرض من هذا النص الإنتقالى الشاذ، معلومة للكافة، رغم تناقضه وتعارضه مع نصوص دستورية عديدة أقرتها اللجنة منها: حق المواطن في اللجوء لقاضيه الطبيعي، وأن مجلس الدولة يختص دون غيره بالفصل في المنازعات الإدارية و الدعاوى التأديبية. فكيف تقرر اللجنة منح هذا الاختصاص القضائي للجان والمجالس التأديبية بالسلطة التنفيذية! فانتداب أعضاء الهيئات القضائية للعمل بالجهات الإدارية مَفسَدة وفسادًا عظيمًا، لو كنتم تعلمون، فقد علل احد رؤساء المصالح الكبرى سبب قيامه بندب مستشار من كل هيئة قضائية للعمل معه بالمصلحة بأن دور كل مستشار هو إنجاز و نهو مصالحه و شئون المصلحة بجهه عمله المنتدب منها، وإن مصير تحقيقات النيابة الإدارية أما الإحاله للجهة الإدارية فقد عادت إلى حضنها لتفعل بها ما تشاء وكيف تشاء وأما الإحاله للمحاكمة التأديبية فيقوم المستشار القانوني بتحقيق ذات الهدف .

     وقرر آخر بأنه يجب على كل وزير أو مسئول كبير أن يتخذ له (بودى جارد) قانوني لحمايته، و تحصينه من المحاسبة و المساءلة القانونية.وإن كنتم حقا تريدون إصلاح السلطة القضائية، و تطهيرها، و تحصينها، من الفساد و الإفساد؛ فيتعين النص على حظر الندب نهائيًا بكافة صوره و أشكاله فورًا، و آية ذلك قيام الجهات الإدارية بنهو الندب فور انتهاء خدمه عضو الجهة القضائية بالإحاله للمعاش، و المصارعة إلى انتداب من تولى المنصب، أو السُلطة مكانه، وآية ذلك أيضًا انه لا يوجد حاليًا بالجهات الإدارية مستشار قانوني من المحالين للمعاش، أو أساتذة الجامعات، أو المحامين ذوى الخبرة و الكفاءة، رغم أن هؤلاء كفلاء بسد حاجة الجهات الإدارية من الخبرة القانونية، و من ثم فهو ارتباط مصلحه لا ارتباط كفاءة.

Submit to DeliciousSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

تابعنا على فيسبوك

تابعنا على تويتر