المجموعة: مقالات قانونية

     عُرْف إيجار الأماكن هو نظرية ابتدعها فقه قانون إيجار الأماكن، تُسمى نظرية النيابة المفترضة؛ ليسد بها حاجة ماسة، ويواجه بها ضرورة إجتماعية، هى ضرورة حماية الأشخاص الذين اضطلع المستأجر بإسكانهم معه منذ بدء الإجارة من عسف المؤجر إبان أزمة الإسكان

، باعتبارهم - المُساكنين للمستأجر الأصلى منذ بدء الإجارة- مستأجرين أصليين مثله تمامًا، وقد أعتبر فقه التشريع الخاص بإيجار الأماكن أن المستأجر الأصلى نائباً فى عقد الإيجار عن أفراد عائلته، ومن يرى هو أن يتكفل بسكنهم دون إلزام عليه و دون أن يكونوا ورثته، فهذا الحق قد ثبت للمُساكنين للمستأجرالأصلى عن طريق تلك النيابة القانونية بصفتهم مقيمين مع المستأجر عند بدء الإجارة، أو عن طريق الإشتراط لمصلحتهم لا عن طريق الأرث، والنيابة المفترضة القانونية، التى تقوم وقت العقد بسبب المساكنة، تستمر طوال مدة العقد مادام المُساكنين قد تمسكوا به.

     وقد أضفت محكمة النقض الحماية على جميع من ساكنوا المستأجر منذ بدء الإجارة، ولم يكونوا من أقاربه الذين خصهم القانونان ( ٥٢ لسنة ١٩٦٩ )و (٤٩ لسنة ١٩٧٧ ) بشأن إيجار الأماكن فأصبح قضاء محكمة النقض مسلم بإستمرار عقد الإيجار بعد وفاة المستأجر، أو تركه للعين المؤجرة للمساكنين للمستأجر؛ بشرط ثبوت مشاركتهم السكنية منذ بدء الإيجار(نقض مدنى الطعون ١٢٨٠ لسنة ٥٢ ق ٩ يونيه ١٩٨٨ و٦٧٥ لسنة ٥٠ ق ٢٨ يناير ١٩٨٨ و ٦٣٨ لسنة ٥١ق ٣ إبريل ١٩٨٨ ) . والبين من هذه الأحكام أن محكمة النقض حيث كانت تختص تطبيقاً للقانون رقم (١٢١ لسنة١٩٤٧) بشأن إيجار الأماكن وفى وقائع لا تسرى عليها القوانين اللاحقة، جرت على التسليم بحق المقيمين مع المستأجر فى استمرار عقده لصالحهم ولو لم يكونوا من أقاربه الذين خصتهم القوانين اللاحقة بهذه الميزة و إنما اشترطت فى ذلك ثبوت إقامتهم معه فى العين المؤجرة منذ بدء الإجارة، وهو شرط لم تتطلبه القوانين اللاحقة التى قصرت هذه الميزة من تاريخ صدورها على أقارب معينين على سبيل الحصر (م ٢١ من قانون ٥٢ لسنة١٩٦٩ ، م ٢٩ من قانون ٤٩ لسنة ١٩٧٧ )، وشروط وضوابط محددة، أخصها شرط الأقامة المستقرة مع المستأجر الأصلى حتى وفاة المستأجر الأصلى أو تركه للعين . ثم لما عرضت على محكمة النقض القضايا اللاحقة للقانون (١٢١ لسنة ١٩٤٧) والتى تسرى عليها أحكام القانونين( ٥٢ لسنة١٩٦٩ ) و ( ٤9 لسنة  1977) النص الذى يحول أقارب المستأجر المقيمين معه حق الأستمرار فى الإجارة بعد وفاته أو تركه للعين فاستغنت به عن نظرية النيابة المفترضة وتمسكت فى ذلك بنسبية أثر العقد .وبذلك تزعزعت أركان هذه النظرية بصدور القانون( ٥٢ لسنة١٩٦٩ ) وللقانون( ٤٩ لسنة ١٩٧٧) وأشتراطهم الإقامة مع المستأجر الأصلى لحين وفاته أو ترك العين المؤجرة ودون اشتراط الإقامة منذ بدء الإجارة .

     وقد اِرتأى فقيه القانون المدنى الأستاذ الدكتور/ سليمان مرقس ضرورة تقييد نظرية النيابة المفترضة بالحكمة المفترضة بالحكمة التى أملت الإلتجاء إليها منعاً من مساوىء إطلاقها، ورفض محكمة النقض الأخذ بها بدلاً من الإبقاء عليها مراعاة للحاجة التى دعت إليها من خلال تقيدها بوجوب إقرار طرفى النيابة المفترضة إياها للتمسك بها ( يراجع شرح قانون إيجار الأماكن أ.د سليمان مرقس – الجزء الأول – ص ٨٢٧ وما بعدها).

     وجدير بالذكرأن الأقامة العابرة أو الإيواء أو الضيافة مهما إستطالة مدتها لا تعد مساكنة لأنها لا تكسب حقاً إذ تقوم على أساس المجاملة الوقتية و التسامح لا على أساس علاقة قانونية (نقض مدنى الطعن رقم ٣٢٢ لسنة ٤٧ ق ،٥ ابريل ١٩٨٠).

     وبعد أن انتهينا من عرض موجز لنظرية النيابة المفترضة (المساكنة )، سوف أدلف إلى بيان ما أسميته بنظام المساكنة والقضاء التأديبى لما بينهما من تشابه استلفت نظرى.فقد نشأ القضاء التأديبي فى مصر وارتبط بقضاء مجلس الدولة بمقتضى دستور( ١٩٧١ ) أى بعد مضى خمسة وعشرون عامًا على إنشاء مجلس الدولة ،إذ إن نظام التأديب الوظيفى فى مصر قبل دستور( ١٩٧١) قد بدأ من خلال مجالس تأديب تتشكل من موظفين عموميين ، ثم تطور هذا النظام بصدور القانون رقم( ١١٧ ) لسنة (١٩٥٨) من غلبة العنصرالإدارى فى تشكيل مجالس التأديب إلى الأتجاه نحو النظام القضائى فى المحاكمات التأديبية من خلال أمرين:

  1. إنشاء المحاكمات التأديبية
  2. تغليب العنصر القضائى فى تشكيل المحاكم التأديبية (قاضيين وموظف عام ) (مادة ١٨ قانون رقم ١١٧ لسنة ١٩٥٨) ، ثم تطور ذلك النظام ليكتمل التشكيل القضائى الخالص للمحاكم التأديبية بالقانون رقم( ٤٧ ) لسنة (١٩٧٢) بشأن مجلس الدولة ، وقد استعان المشرع بقضاة من مجلس الدولة فى اتجاه نحو النظام القضائى فى تشكيل المحاكم التأديبية عام( ١٩٥٨) وهو أمر فى تقديرنا مرده أنهم أقرب قضاة الحكم للموظف العام في النظام القضائي المصري بحكم الولاية العامة لمجلس الدولة بالمنازعات الإدارية و ذلك منذ نشأة مجلس الدولة عام ١٩٤٦ وهى منازعات لا تغيب عنها الإدارة (المرافق العامه ) و أن الدعوى التأديبيه تقام ضد موظف عام يعمل فى خدمه أحد المرافق العامه للدوله – فى الأغلب الأعم- وأيضا بحكم إختصاصه دون غيره بنظر الطعن فى القرارات الإدارية النهائية والفصل فى طلبات الموظفين العمومين بإلغاء القرارات النهائية للسلطات التأديبية .

     قد استمر السير وفق هذا النظر بدستور سنة ١٩٧١ بمنح مجلس الدولة اختصاص الفصل فى الدعاوى التأديبية ليكتمل بذلك التشكيل القضائى الخالص للمحاكم التأديبية ,وقد قنن المشرع هذا الوضع بنص المادة الثالثة فقرة د من قانون مجلس الدولة الصادر بالقانون رقم ٤٧ لسنة ١٩٧٢ بإدخاله المحاكم التأديبية ضمن القسم القضائى بمجلس الدولة وبنصه بالمادة الثامنة من ذات القانون المذكور على التشكيل القضائى الخالص للمحاكم التأديبية.

     وأرى أن المشرع الدستورى عام ١٩٧١ قد أدخل القضاء التاديبى بمجلس الدولة دون وجود صلة حقيقة بين القضاء التأديبى (قضاء عقابى) والقضاء الأدارى (قضاء مشروعية) وهو أصل ولاية القضاء لمجلس الدولة، لا من ناحية الطبيعة الموضوعية ولا من ناحية النظام الإجرائى أمام المحاكم المختصة بكلاهما .

     وقد أستند – المشرع الدستوري فى تقديرنا - على أسباب واقعية – لم نرى فيها السند القانونى أو الموضوعى -وهذه الأسباب الواقعية يمكن عرضها بإيجاز فى النقاط التالية :

١- رغبة المشرع الدستورى عام ١٩٧١ فى تعظيم اختصاصات مجلس الدولة .

٢- رغبة مجلس الدولة الاختصاص بنظر الدعاوى التأديبية والفصل فيها توسعة لاختصاصاته فكان بمثابة الباب المفتوح أمام المشرع الدستورى لتسكين القضاء التأديبي بتشكيل قضائى خالص للمحاكم التأديبية - تشكيل من قضاة فقط - داخل القسم القضائى بمجلس الدولة ،دون الأخذ فى الاعتبار الطبيعة الخاصة للدعوى التأديبية من الناحيتين الموضوعية و الإجرائية و الذى يغاير الطبيعة الخاصة للمنازعة الإدارية من الناحيتين المذكورتين وعلى النحو سالف الإشارة، وهى -المنازعة الإدارية- أصل ولاية القضاء لمجلس الدولة وسبب نشأته القضائية.

٣- رغبة الدولة -آنذاك - تحقيق التوازن فى الاختصاصات ما بين القضاء العادى ومجلس الدولة لضبط ميزان القوى داخل السلطة القضائية والتى كانت تميل لصالح القضاء العادى بحكم اختصاصاته الواسعة.

    فالقضاء التأديبي لم يكن قط قبل دستور ١٩٧١ من أفراد الأسرة القضائية لمجلس الدولة ولا يمت لها بصلة قرابة و إنما للأسباب الواقعية سالفة البيان قد أدخل إدخالاً فى النظام القضائى لمجلس الدولة بدستور١٩٧١ ليقيم القضاء التأديبي بمجلس الدولة من خلال المحاكم التأديبية وهذا منذ تاريخ العمل بأحكام القانون رقم ٤٧ لسنة ١٩٧٢ بشأن مجلس الدولة ,وقد حصن هذا الوضع دستورياً حتى تم إسقاط دستور ١٩٧١ وإعداد دستور جديد عام ٢٠١٢ لُيثار عند وضع مشروعه - مجدداً-رؤية القضاء الموحد أى توحيد جهات القضاء العادى و الإدارى والتأديبي والدستورى تحت مظلة كيان قضائى واحد هو القضاء العادى لتغطى هذه الرؤية على طرح أي مقترحات بشان القضاء التأديبي . وقد جاء الزمن - عام ٢٠١٣ - بما لم يجود به من قبل ليتم تعليق العمل بدستور عام ٢٠١٢ وتشكيل لجنتين لإجراء تعديل على دستور ٢٠١٢ أُطلق على اللجنة الأولى مسمى لجنة العشرة وأُطلق على اللجنة الثانية لجنة الخمسين وليخرج من لجنة نظام الحكم - المنبثقة عن لجنة الخمسين – مقترح استقلال القضاء التأديبي وأن النيابة الإدارية جزء من هذا القضاء ليلقى هذا النص عدم قبول مجلس الدولة, وقد تمسك مجلس الدولة باختصاصه بالقضاء التأديبي بدعوى أن هذا القضاء منذ تشكيله القضائى الخالص من خلال المحاكم التاديبية قد وجد واستقر إقامة بقضاء مجلس الدولة ، و هو أشبه بمن يتمسك بالبقاء فى العين المؤجرة دون أن تربطه أى صلة قرابة بالمستأجرالأصلى وهو ما كان يعرف فى فقه وقضاء إيجار الأماكن بنظام المساكنة وقد فات أصحاب هذه الدعوى أن القضاء التأديبي لم يساكن مجلس الدولة منذ نشأة هذا المجلس عام ١٩٤٦ وإنه لم يساكنه إلا عام ١٩٧٢ بالقانون رقم ٤٧ لسنة ١٩٧٢ وأن ادخال – إقامة – القضاء التأديبى ضمن القسم القضائى لمجلس الدولة «بالرغم من اختلاف جنس وطبيعة ونظام إجراءات المنازعة الإدارية وهى أساس ولاية القضاء لمجلس الدولة عن الدعوى التأديبية» كان على سبيل الاستضافة - للأسباب سالفة البيان - وهى مهما طالت مدتها وطابت عشرتها لا تعطى لمجلس الدولة حق التمسك بمساكنة القضاء التأديبي لأروقة النظام القضائى به لافتقاد شرط التمسك به وهوالمساكنة منذ بدء الإجارة ، و بالرغم من إعادة تنظيم مجلس الدولة بالقانون رقم ٥٥ لسنة ١٩٥٩ إلا أنه قد خلا من إدخال المحاكم التأديبية ضمن القسم القضائى لمجلس الدولة وذلك مراعاة منه للفهم الصريح لطبيعة الدعوى التأديبية ومغايرتها لطبيعة المنازعة الإدارية والتى هى أساس ولاية مجلس الدولة للقضاء منذ نشأتة عام ١٩٤٦ .

    وجدير بالذكر والرد أن من قابل بالرفض اقتراح إسناد ولاية التأديب لجهة قضائية واحدة بحجة :

أولا: أن هذا الأمر سيوقعنا فى المحظور منه فى الفقه والقضاء العقابى وهو حظر الجمع بين سلطتى الإتهام والمحاكمة لما فى ذلك الجمع – وبحق – من إهدار لمفهوم العدالة وضمانة الحيدة الواجب توافرها فى القاضى إلا أن هذه الحجة مبناها مغلوط ومقصود لأنها تعد إنكارًا واضحاً للقانون و انحرافاً عن قصد الوصول للحقيقة لأنه من الشائع فى حقل العمل القضائى أن يجتمع أمام القاضى ذات الموضوع مع تغيراختصاصه القضائى ومع مباشرته لعمل غير قضائى وسأذكر بعض الأمثلة التى توضح ذلك وكيف عالج المشرع مثل هذه الإشكالية الشائعة الحدوث .

١ -عندما يتصدى عضو إدارة الفتوى بمجلس الدولة بإبداء الرأى فى المسائل التى يطلب الرأى فيها من الجهات الإدارية لموضوع معين وفقاً للمادة ٥٨ من قانون مجلس الدولة ثم ينقل بعد إبدائه هذا الرأى إلى محكمة القضاء الإدارى ليعرض عليه ذات الموضوع فى شكل منازعة إدارية ...ماذا سيفعل ؟؟؟

٢ -عندما يندب أعضاء من مجلس الدولة للعمل كمفوضين لمجلس الدولة فى بعض الجهات و الوزارات و الهيئات لدراسة مسائل قانونية و التظلمات الإدارية وفقاً للمادة ٥٩ من قانون مجلس الدولة ثم يعرض عليهم ذات الموضوعات السابقة – كلٌ فيما يخصه- بجهة عمله الأصلية فى صورة طلب إبداء رأى أو فحص تظلم إدارى ... ماذا سيفعل ؟؟؟

٣ -عندما يتصدى مفوض الدولة لموضوع دعوى معروضة عليه بحكم اختصاصه بهيئة مفوضى الدولة وذلك لتحضيرها و تهيئتها للمرافعة بما فى ذلك إجراء تحقيق ثم ينتهى بإيداع تقرير برأيه فى النزاع بالمحكمة المختصة وفقاً للمادة ٢٧ من قانون مجلس الدولة ثم ينقل للعمل فى القضاء الإدارى ليجد ذات المنازعة موضوع هذا التقرير مختصاً بنظرها والحكم فيها ... ماذا سيفعل ؟؟؟

٤- عندما يصدر قاضى مجلس الدولة حكماً قضائياً فى دعوى تأديبية ثم يرقى كقاضى بالمحكمة الإدارية العليا ثم يعرض عليه طعناً قضائياً على حكمه الصادرفى الدعوى التأديبية وفقاً للمادة٢٣ من قانون مجلس الدولة ... ماذا سيفعل ؟؟؟

هذه بعض الأمثلة - القليلة – من داخل العمل بمجلس الدولة.

٥- عندما يتولى عضو النيابة العامة مباشرة التحقيق و الإتهام بخصوص أحد الجرائم الجنائية ويصدر أمراً بإحالة الدعوى الجنائية إلى المحكمة المختصة ثم ينقل للعمل بالقضاء وفقاً للقواعد المنظمة للتبادل بين القضاء و النيابة العامة فيجد نفسه قاضياً مختصاً بنظر الدعوى الجنائية التى سبق وأن باشر إجراءات التحقيق و الإتهام و الإحالة بخصوصها ... ماذا سيفعل ؟؟؟

فالنيابة الإدارية بالنسبة للموظفيين تقوم بمثل ما تقوم به النيابة العامة لكافة المواطنين ( المذكرة الإيضاحية للقانون رقم ٤٨٠ لسنة ١٩٥٤) . وبناءاً عليه ساوى المشرع بين أعضاء النيابة العامة و النيابة الإدارية فى شئونهم الوظيفية (مادة ٣٨ مكرر من القانون ١٢ لسنة١٩٨٩(وما قيل عن مجلس الدولة والنيابة العامة يمكن أن يُقال عنه بأمثلة مختلفة و مماثلة عن القضاء العادى و الدستورى.

هذه هى الإشكالية الشائعة و المتكررة كل يوم بل كل ساعة داخل أروقة العمل بالجهات القضائية المختلفة قد تصدى لها المشرع - من منطلق حرصه على إقامة العدل واستيفاءاً لمظهر الحيدة التى يجب أن يظهر بها القاضى أمام الخصوم والجمهور – بأن نص بقانون المرافعات المدنية و التجارية الصادر بالقانون رقم ١٣ لسنة ١٩٦٨ بالباب الثامن وعنوانه عدم صلاحية القضاة وردهم وتنحيتهم و أخصه المادة ١٤٦ بأن (يكون القاضى غير صالح لنظر الدعوى ممنوعا من سماعها ولو لم يرده أحد الخصوم فى الأحوال الأتية:

٥- إذا كان قد أفتى أو ترافع عن أحد الخصوم فى الدعوى ، أو كتب فيها ولو كان ذلك قبل اشتغاله بالقضاء ، أو كان قد سبق له نظرها قاضياً أو خبيراً أو محكماً ، أو كان قد أدى شهادة فيها .

وفى الفقرة الأولى من المادة ١٤٧ من ذات القانون على أنه »يقع باطلاً عمل القاضى أو قضاؤه فى الأحوال المتقدمة الذكر ولو بإتفاق الخصوم «.

     فى ذلك تقول محكمة النقض: «أن المعول عليه فى عدم صلاحية القاضى للفصل فى الدعوى التى سبق له نظرها، هو أن يقوم القاضى بعمل يجعل له رأيًا فى الدعوى ذاتها، أو معلومات شخصية تتعارض مع ما يُشترط من خلو الذهن عن موضوع الدعوى، حتى يستطيع أن يزن حجج الخصوم وزنًا مجردًا، مخافة أن يتشبث برأيه الذى يشف عنه عمله المتقدم، حتى ولو خالف مجرى العدالة، وضنًا بأحكام القضاء أن يعلق بها استرابة من جهة شخص القاضى؛ لدواع يُذعن لها عادة أغلب الخلق، طعن (٣٠ ) سنة( ٤٣) قضائية (١٤/٣/١٩٧٩).بما مؤداه أن القول أنه بجمع النيابة الإدارية سلطات التحقيق، والإتهام، و المحاكمة، إذا تولت قضاء التأديب من خلال المحاكم التأديبية، سيقع معه المحظور، قول مغلوط ومقصود على النحو المبين آنفًا،فالمعيار شخصى موضوعى، و الحل قانونى لجميع أعمال السلطة القضائية بروافدها المختلفة».

 ثانيا: إن أعضاء النيابة الإدارية ليسوا قضاة - فهذا واقع- ولكن أعضاء النيابة العامة مثلهم مثل أعضاء النيابة الإدارية فيما يتعلق بطبيعة عملهم وشئونهم الوظيفية، و على النحو المبين سلفًا، ومع ذلك يجوز لهم قانونًا العمل بالقضاء العادى من خلال النقل و الندب الداخلى ما بين النيابة العامة و القضاء العادى. باعتبار أن النيابة العامة جزء من السلطة القضائية، بينما حُرم أعضاء النيابة الإدارية من هذا الحق بدون مبرر قانونى، أو موضوعى مقبول، فضًلا عن أن قضاء المحكمة الإدارية العليا قد تواترعلى أنه من المبادىء التى قد تقضيها العدالة - دون الحاجة إلى نص يقررها- ضرورة توافر الصلاحية فيمن يقوم بالتحقيق (الطعن رقم ٣٤٢٩ لسنة ٣٦ ق جلسة ١/٦/١٩٩١)،وإلى أنه لا ينبغى أن يقل التجرد و الحيدة الواجب توافرها فى المحقق عن القَدر المتطلب فى القاضى، أساس ذلك أن الحكم فى المجال العقابى جنائيًا كان أو تأديبيًا، إنما يستند إلى أمانة المحقق، و نزاهته، وحيدته، كمايستند إلى أمانة القاضى، و نزاهته، وحيدته سواء بسواء؛ وعليه يجب تطبيق القواعد والضمانات الواجب توافرها فى شأن صلاحية القاضى على المحقق ( الطعون أرقام ٢٨٥ لسنة ٣٣ ق جلسة ١٣/٥/١٩٨٩ ، ٣٢٨٥ لسنة٣٣ ق جلسة ١٣/٥/١٩٨٩ ، ٤١١٦ لسنة ٣٥ ق جلسة ٢٧/٨/١٩٩٤).

     إن جهاد النفس ضد تعارض المصالح العامة و الخاصة، أمر ليس بيسير، ولا يملكه كل البشر، فالمصلحة العامة والتى تحقق مصلحة القاضى، و المتقاضى، و تنهض بالعدالة التأديبية، تقتضى توحيد القضاء التأديبي بجميع سلطاته من تحقيق، و اتهام، و إدعاء ومحاكمة. لقد آن الآوان - بعد تأخر طال أمده لسنوات - أن يتم العمل على تحقيق هذا الهدف المنشود، وأن تجتمع أسرة القضاء التأديبي فى محراب قضائى واحد، على غرار القضاء الجنائى، والذى يجتمع بسلطاته المختلفة من تحقيق، و اتهام، و ادعاء، ومحاكمة تحت محراب القضاء العادى، ككيان واحد لا يفصله مبنى أو يهدره مغزي يجافي المصلحة العامة، و القانون، وبما يحقق العدالة الناجزة لصالح القاضى و المتقاضى .

     إن النيابة الإدارية بمقتضى اختصاصها القضائى على مدار ستين عاما هى الأكثر اتصاًلا، و التصاقًا بالدعوى التأديبية كاملًة، وبجميع مراحلها من المهد وحتى اللحد، فى حين أن القاضى التأديبي يتصل بالدعوى التأديبية بشكل كامل فى مرحلة المحاكمة فقط، والقاضى و المحقق - وعلى ما تواتر عليه قضاء المحكمة الإدارية العليا- يتساويان فى التجرد، و الحيدة، والنزاهة، وتطبق القواعد والضمانات الواجب توافرها فى شأن صلاحية القاضى على المحقق .

     أن الأمل يحدونا - بشكل غير مسبوق - فى الحكماء والراشدين من أعضاء الجمعية التأسيسة لوضع تعديلات الدستور لعام (٢٠١٣) ، لجنة الخمسين،  بصفتهم الممثل القانونى لجميع سلطات الدولة، وصاحبة الصفة – وحدها – فى وضع التعديلات الدستورية أن تحسم أمر القضاء التأديبي، وكل أعمالها،  بما يحقق الصالح العام، وأن يغلبوا الحق على القوة، ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى، وامتثالاً لقول رسوله -  صلى الله عليه وسلم: «وقل أعملوا فسيرى الله عملكم و رسوله و المؤمنون» .

Submit to DeliciousSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

تابعنا على فيسبوك

تابعنا على تويتر